فصل: من فوائد ابن الجوزي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد ابن الجوزي في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه}
قال مقاتل: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي جهل.
قوله تعالى: {يشرحْ صدرَه}
قال ابن الأعرابي: الشرح: الفتح.
قال ابن قتيبة: ومنه يقال: شرحتُ لك الأمر، وشرحتُ اللحم: إذا فتحتَه.
وقال ابن عباس: {يشرحْ صدره} أي: يوسعْ قلبه للتوحيد والإيمان.
وقد روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {فمن يرد الله أن يهديَه يشرحْ صدرَه للإسلام} فقيل له: يا رسول الله، وما هذا الشرح؟ قال: «نور يقذفه الله في القلب، فينفتح القلب» قالوا: فهل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم».
قيل: وما هي؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله.
قوله تعالى: {ضيقًا} قرأ الأكثرون بالتشديد.
وقرأ ابن كثير: {ضَيْقًا} وفي [الفرقان: 13] {مكانًا ضَيْقًا} بتسكين الياء خفيفة.
قال أبو علي: الضَّيِّق والضَّيْق: مثل: الميّت، والميْت.
قوله تعالى: {حرجًا} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: {حَرَجًا} بفتح الراء.
وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الراء.
قال الفراء: وهما لغتان.
وكذلك قال يونس بن حبيب النحوي: هما لغتان، إلا أن الفتح أكثر من ألسنة العرب من الكسر، ومجراهما مجرى الدَّنَفِ والدَّنِفَ.
وقال الزجاج: الحرج في اللغة: أضيق الضيق.
قوله تعالى: {كأنما يصَّاعد} قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: {يصَّعد} بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير ألف.
وقرأ أبو بكر عن عاصم: {يصّاعد} بتشديد الصاد وبعدها ألف.
وقرأ ابن كثير: {يَصْعَد} بتخفيف الصاد والعين من غير ألف والصاد ساكنة.
وقرأ ابن مسعود، وطلحة: {تصْعَدُ} بتاء من غير ألف.
وقرأ أبي بن كعب: {يتصاعد} بألف وتاء.
قال الزجاج: قوله: {كأنما يصّاعد في السماء}.
و{يصَّعَّد}، أصله: {يتصاعد}، و{يتصعد}، إلا أن التاء تدغم في الصاد لقربها منها، والمعنى: كأنه قد كُلِّف أن يَصْعَدَ إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه.
ويجوز أن يكون المعنى: كأن قلبه يصعد في السماء نُبُوًّا عن الإسلام والحكمة.
وقال الفراء: ضاق عليه المذهب، فلم يجد إلا أن يصعد في السماء، وليس يقدر على ذلك.
وقال ابو علي: {يَصَّعَّد} و{يَصّاعد}: من المشقة، وصعوبة الشيء، ومنه قول عمر: ما تَصَعَّدني شيء كما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق عليَّ شيء مشقتها.
قوله تعالى: {كذلك} أي: مثل ما قصصنا عليك.
{يجعل الله الرجس} وفيه خمسة أقوال:
أحدها: أنه الشيطان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، يعني: أن الله يسلِّطه عليهم.
والثاني: أنه المأثم، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثالث: أنه مالا خير فيه، قاله مجاهد.
والرابع: أنه العذاب، قاله عطاء وابن زيد، وأبو عبيدة.
والخامس: أنه اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، قاله الزجاج.
وهذه الآية تقطع كلام القَدَريَّة، إذ قد صرحت بأن الهداية والإضلال متعلقة بإرادة الله تعالى. اهـ.

.من فوائد أبي حيان في الآية:

قال رحمه الله:
{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء}
قال مقاتل: نزلت في الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل، والهداية هنا مقابلة الضلالة والشرح كناية عن جعله قابلًا للإسلام متوسعًا لقبول تكاليفه، ونسبة ذلك إلى صدره مجاز عن ذات الشخص ولذلك قالوا: فلان واسع الصدر إذا كان الشخص محتملًا ما يرد عليه من المشاق والتكاليف، ونسبة إرادة الهدى والضلال إلى الله إسناد حقيقي لأنه تعالى هو الخالق ذلك والموجد له والمريد له وشرح الصدر تسهيل قبول الإيمان عليه وتحسينه وإعداده لقبوله: وضمير فاعل الهدى عائد على الله أي يشرح الله صدره.
وقيل: يعود على الهدى المنسبك من {أن يهديه} أي يشرح الهدى صدره.
قال ابن عطية: ويتركب عليه مذهب القدرية في خلق الأعمال؛ انتهى.
وفي الحديث السؤال عن كيفية هذا الشرح وأنه إذا وقع النور في القلب انشرح الصدر وأمارته الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الفوت والضيق والحرج كناية عن ضد الشرح واستعارة لعدم قبول الإيمان والحرج الشديد الضيق، والضمير في {يجعل} عائد على {الله} ومعنى يجعل يصير لأن الإنسان يخلق أوّلًا على الفطرة وهي كونه مهيأ لما يلقى إليه ولما يجعل فيه فإذا أراد الله إضلاله أضله وجعله لا يقبل الإيمان ويحتمل أن يكون {يجعل} بمعنى يخلق وينتصب {ضيقًا حرجًا} على الحال أي يخلقه على هذه الهيئة فلا يسمع الإيمان ولا يقبله ولاعتزال أبي عليّ الفارسي ذهب إلى أن يجعل هنا بمعنى يسمى قال كقوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا} قال: أي سموهم أو بمعنى يحكم له بالضيق كما تقول: هذا يجعل البصرة مصرًا أي يحكم لها بحكمها فرارًا من نسبة خلق ذلك إلى الله تعالى، أو تصييره وجوبًا على مذهبه الاعتزالي ونحو منه في خروج اللفظ عن ظاهره.
قول الزمخشري {أن يهديه} أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف بشرح صدره للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه، {ومن يرد أن يضله} أن يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له {يجعل صدره ضيقًا حرجًا} يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان؛ انتهى.
وهذا كله إخراج اللفظ عن ظاهره وتأويل على مذهب المعتزلة والجملة التشبيهية معناها أنه كما يزاول أمرًا غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يبعد ويمتنع من الاستطاعة ويضيق عليه عند المقدرة قاله الزمخشري.
وهو قريب من تأويل ابن جريج وعطاء الخراساني والسدي قالوا: أي كان هذا الضيق الصدر الحرج يحاول الصعود في السماء حتى حاول الإيمان أو فكر فيه ويجد صعوبته عليه كصعوبة الصعود في السماء؛ انتهى.
ولامتناع ذلك عندهم حكى الله عنهم أنهم اقترحوا قولهم أو ترقى في السماء.
وقال ابن جبير: المعنى لا تجد مسلكًا إلا صعدًا من شدة التضايق، يريد ضاقت عليه الأرض فظل مصعدًا إلى السماء.
وقيل: المعنى أنه عازب الرأي طائر القلب في الهواء كما يطير الشيء الخفيف عند عصف الرّياح.
وقرأ ابن كثير: {ضيقًا} هنا وفي الفرقان فاحتمل أن يكون مخففًا من ضيق كما قالوا لين.
وقال الكسائي: الضيق بالتشديد في الإجرام وبالتخفيف في المعاني، واحتمل أن يكون مصدرًا قالوا في مصدر ضاق ضيق بفتح الضاد وكسرها بمعنى واحد فإما ينسب إلى الصدر على المبالغة أو على معنى الإضافة، أي ذا ضيق أو على جعله مجازًا عن اسم الفاعل وهذا على الأوجه الثلاثة المقولة في نعت الإجرام بالمصادر.
وقرأ نافع وأبو بكر {حرجًا} بفتح الراء وهو مصدر أي ذا حرج أو جعل نفس الحرج، أو بمعنى حرج بكسر الراء ورويت عن عمر وقرأها له ثمة بعض الصحابة بالكسر.
فقال: ابغوني رجلًا من كنانة راعيًا ولكن من بني مدلج فلما جاءه قال: يا فتى ما الحرجة عندكم؟ قال: الشجرة تكون بين الأشجار لا يصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير؛ انتهى.
وهذا تنبيه والله أعلم على جهة اشتقاق الفعل من نفس العين كقولهم: استحجر واستنوق.
وقرأ ابن كثير {يصعد} مضارع صعد.
وقرأ أبو بكر يصاعد أصله يتصاعد فأدغم.
وقرأ باقي السبعة {يصعد} بتشديد الصاد والعين وأصله يتصعد، وبها قرأ عبد الله وابن مصرف والأعمش.
وقال أبو علي: {كأنما يصعد} من سفل إلى علو ولم يرد السماء المظلة بعينها كما قال سيبويه والقيدود الطويل في غير سماء أي في غير ارتفاع.
وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كؤود كأنه يصعد بها في الهواء، ويصعد معناه يعلو ويصعد معناه يتكلف من ذلك ما يشق عليه ومنه قول عمر بن الخطاب: ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح وروي ما تصعدني خطبة.
{كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} أي مثل ذلك الجعل جعله الصدر {ضيقًا حرجًا} ويبعد ما قاله الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك {يجعل} ومعنى {يجعل الله الرجس} يلقى الله أو يصير الله العذاب والرجس بمعنى العذاب قاله أهل اللغة.
وتعدية {يجعل} بعلى يحتمل أن يكون معناه نلقي كما تقول: جعلت متاعك بعضه على بعض وأن تكون بمعنى يصير و{على} في موضع المفعول الثاني.
وقال الزمخشري: {يجعل الله} يعني الخذلان ومنع التوفيق وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب؛ انتهى.
وهو على طريقة الاعتزالي ونقيض الطيب النتن الرائحة الكريهة، و{الرجس} والنجس بمعنى واحد قاله بعض أهل الكوفة.
وقال مجاهد: {الرجس} كل ما لا خير فيه.
وقال عطاء وابن زيد وأبو عبيدة: {الرجس} العذاب في الدنيا والآخرة.
وقال الزجاج: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقيل: {الرجس} السخط.
وقال إسماعيل الضرير: {الرجس} التعذيب وأصله النتن النجس وهو رجاسة الكفر. اهـ.

.من فوائد ابن كثير في الآية:

قال رحمه الله:
{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)}
يقول تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ} أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22]، وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7].
قال ابن عباس: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ} يقول: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وكذا قال أبو مالك، وغير واحد. وهو ظاهر.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي جعفر قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادًا». قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ} وقالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يُقْذَف فيه، فينشرح له وينفسح». قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخُلُود، والتَّجَافِي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت».
وقال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد، حدثنا قَبِيصَة، عن سفيان- يعني الثوري- عن عمرو بن مُرَّة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ} فذكر نحو ما تقدم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح قالوا: يا رسول الله، هل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت».
وقد رواه ابن جرير عن سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة، عن أبي جعفر فذكره.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قَيْس، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المِسْوَر قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ} قالوا: يا رسول الله، ما هذا الشرح؟ قال: «نور يقذف به في القلب». قالوا: يا رسول الله، فهل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم» قالوا: وما هي؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت».
وقال ابن جرير أيضا: حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سَلمَة، عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنَيْسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح». قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لُقي الموت».